الشيخ حسن الجواهري
69
بحوث في الفقه المعاصر
فلا يبعه حتى يستوفيه ، إلاّ ما كان من شرك أو إقالة أو تولية » . قال مالك : اجتمع أهل العلم على أنّه لا بأس بالشرك والإقالة والتولية في الطعام قبل أن يُستوفى إذا انتقد الثمن ممّن يشركه أو يقيله أو يولّيه » ( 1 ) . 4 - إن أصل المنع من بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه ( إلاّ تولية أو شركة ) هو على خلاف القاعدة الأوليّة القائلة بتسلّط الناس على أموالهم ، بمعنى أنّه إذا ملك إنسان شيئاً يتمكّن أن يبيعه - سواء كان قد قبضه أم لا - فإذا أضفنا إلى هذا عدم وجود علّة للنهي عن بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه ، وإنّما هو تعبّد خاصّ ، فلا بدّ من الرجوع إلى الأدلّة المانعة نفسها لنرى سعتها أو ضيقها فنتمسّك بها ، لأنّها هي الدليل على النهي وعلى خلاف القاعدة ، ولا علّة حتى تتبع . وحينئذ فما لم يكن داخلا تحت النهي فهو جائز سواء دلّ عليه دليل خاص أو لا ، إذ يكون داخلا تحت قاعدة تسلّط الناس على أموالهم ، فيتمكّن من التصرّف فيه ببيعه ما لم يكن داخلا تحت عنوان منهيّ عنه . وعلى هذا نتمكّن أن نذكر عدّة أُمور جائزةً قد يشتبه في دخولها تحت عنوان البيع قبل القبض ، منها : أ - إذا كان البيع غير مكيل أو غير موزون ( كالمعدود ( 2 ) والمذروع والمشاهد ) فيجوز بيعه قبل قبضه ( سلماً أو استصناعاً أو غيرهما ) طبقاً للقاعدة المتقدّمة ، مع ورود الرخصة في ذلك أيضاً . ففي ذيل صحيحتي منصور بن حازم المتقدّمتين : « فإن لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه » . وكذا في رواية أبي حمزة عن
--> ( 1 ) المدوّنة : ج 4 ، ص 80 - 81 . ( 2 ) ذكر ابن قدامة في المغني فقال : « كل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه قبل قبضه . . . إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود » : ج 4 ، ص 221 . أقول : بالإضافة إلى عدم الارتباط بين ضمان المبيع إذا تلف قبل القبض وبين عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه فإنَّ لكلّ مسألة من المسألتين دليلها الخاص وموضوعها الخاص ، فإنَّ عدم جواز بيع المعدود قبل قبضه لم يرد فيه أيّ نص .